حبيب الله الهاشمي الخوئي
10
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
الملائكة في السماء كصفوف أهل الدّنيا في الأرض ، وعن الجبائي المعنى صافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة والتّسبيح ، والمراد بالمسبحين القائلون سبحان اللَّه على وجه التعظيم للَّه هذا . وينبغي أن يعلم أنّ المراد بالسجود والرّكوع والصّف والتسبيح في كلامه عليه السّلام ما هو المتبادر منها ، أعني وضع الجبهة على ما يصحّ السجود عليه في الأوّل ، والانحناء في الثّاني ، والقيام في خط مستطيل في الثّالث ، وقول سبحان اللَّه ونحوه في الرابع ، وأنكر الشّارح البحراني ذلك ولا بأس بنقل عبارته لتوضيح ما رامه . قال : ثمّ إنّ السّجود والرّكوع والصّف والتسبيح عبادات متعارفة من الحقّ ومتفاوتة في استلزام كمال الخشوع والخضوع ، ولا يمكن حملها على ظواهرها المفهومة منها ، لأنّ وضع الجبهة على الأرض وانحناء الظهر والوقوف في خط واحد وحركة اللَّسان بالتسبيح أمور مبنيّة على وجود هذه الآلات التي هي خاصة ببعض الحيوانات ، وبالحري أن يحمل تفاوت المراتب المذكورة لهم على تفاوت كمالاتهم في الخضوع والخشوع لكبرياء اللَّه وعظمته ، إطلاقا للفظ الملزوم على لازمه على أنّ السجود في اللَّغة هو الانقياد والخضوع كما مر . إذا عرفت ذلك فنقول : يحتمل أن يكون قوله منهم سجود إشارة إلى مرتبة الملائكة المقربين ، لأن درجتهم أكمل درجات الملائكة ، فكانت نسبة عبادتهم وخضوعهم إلى خضوع من دونهم كنسبة خضوع السجود إلى خضوع الرّكوع . فان قلت : إنّه قد تقدّم أنّ الملائكة المقرّبين مبرؤن عن تدبير الأجسام والتعلَّق بها ، فكيف يستقيم أن يكونوا من سكَّان السّماوات ومن الأطوار الذين ملئت بهم . قلت : إنّ علاقة الشّيء بالشّيء وإضافته إليه يكفي فيها أدنى مناسبة بينهما ، والمناسبة هنا حاصلة بين الأجرام السّماويّة وبين هذا الطور من الملائكة ، وهي مناسبة العلَّة للمعلول ، والشّرط للمشروط انتهى ، وأشار بقوله : فان قلت : إنه قد تقدّم